فخر الدين الرازي
167
الأربعين في أصول الدين
وأما القول بأنه - تعالى - سماه ابنا على سبيل التشريف . فهذا البحث يصير سمعيا . واحتج النصارى على قولهم : بأن عيسى عليه السلام أحيى الموتى ، وأبرأ الأكمه ، والأبرص . وهذا لا يمكن الا بالقدرة الإلهية . والجواب : لم لا يجوز أن يقال : انه تعالى هو الّذي أحيى الموتى ، وأبرأ الأكمه فالأبرص ، على وفق دعائه اظهارا لمعجزته ؟ ولقد ناظرت بعض النصارى . فقلت له : هل تسلم أنه لا يلزم من عدم الدليل ، عدم المدلول ؟ فقال : نعم . فقلت له : ما الّذي يدل على أن ذات اللّه لم تحل في بدن زيد ، وفي بدن عمرو ، ولم تحل في بدن هذه الذبابة وهذه النملة ؟ فقال : هذا ممتنع . لأنا انما أثبتنا هذا الحلول في حق عيسى عليه السلام لأنه ظهر على يده احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص . فإذا لم يظهر شيء من هذه الأشياء على يد زيد وعمرو ، فكيف يمكن اثبات هذا الحلول في حقه ؟ فقلت له : انك سلمت أولا : أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول . واحياء الموتى وابراء الأكمه والأبرص دليل حصول هذا الحلول عندكم . فلا يلزم من عدم هذا الدليل ، عدم هذا الحلول . فوجب أن تبقى شاكا « 1 » في حلول اللّه في بدن هذه النملة ، وهذه الذبابة . وكل مذهب أدى إلى مثل هذا القول ، فهو خسيس جدا . وأيضا : كما ظهر احياء الموتى على يدي عيسى عليه السلام ، فقد ظهر أيضا على يدي موسى عليه السلام لأنه قلب العصا ثعبانا ، بل هو أعجب . لأن انقلاب الخشبة ثعبانا عظيما ، أعجب من انقلاب الميت حيا . فان دلت معجزات عيسى عليه السلام على الحلول والاتحاد ، فبأن تدل معجزات موسى على هذا الحلول - وباللّه التوفيق - أولى . وبالجملة : فمذهب النصارى والحلولية ، أخس وأذل من أن يلتفت العاقل إليه .
--> ( 1 ) ساكتا : ر